ابن حزم

94

رسائل ابن حزم الأندلسي

وقال تعالى : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( العلق : 3 ) فهذه الآيات جامعة لجميع وجوه « 1 » البيان الذي امتنّ به عز وجل ، على الناطقين من خلقه وفضلهم به على سائر الحيوان ، فضلا منه تعالى يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . ووجدناه عز وجل قد عدد في عظيم نعمه على من ابتدأ اختراعه من النوع الإنسي تعليمه أسماء « 2 » الأشياء ؛ فقال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ( البقرة : 31 ) وهذا هو الذي « 3 » بانت به الملائكة والإنس والجن من سائر النفوس الحية ، وهو البيان عن جميع الموجودات « 4 » ، على اختلاف وجوهها ، وتباين « 5 » معانيها ، التي من أجل اختلافها وجب أن تختلف أسماؤها ، ومعرفة وقوع المسميات تحت الأسماء ، فمن جهل مقدار هذه النعمة عند نفسه ، وسائر نوعه ، ولم يعرف موقعها لديه ، لم يكد يفضل البهائم إلا بالصورة : فلله الحمد على ما علّم وآتى ، لا إله إلا هو . ومن لم يعلم صفات الأشياء المسميات ، الموجبة لافتراق أسمائها ويحدّ كل ذلك بحدوده « 6 » ، فقد جهل مقدار هذه النعمة النفسية ، ومر عليها غافلا عن معرفتها ، معرضا عنها ، ولم يخب خيبة يسيرة بل جليلة جدا . فإن قال جاهل : فهل تكلم أحد من السلف الصالح في هذا ؟ قيل « 7 » له : إن هذا العلم مستقر في نفس كل ذي [ 2 ظ ] لبّ ، فالذهن الذكي واصل بما مكنه اللّه تعالى فيه من سعة الفهم ، إلى فوائد هذا العلم ، والجاهل متسكّع كالأعمى حتى ينبّه عليه ، وهكذا سائر العلوم . فما تكلم أحد من السلف الصالح ، رضي اللّه عنهم ، في مسائل النحو ، لكن لما فشا جهل الناس ، باختلاف الحركات التي باختلافها

--> ( 1 ) س : جامعة لوجوه . ( 2 ) أسماء : سقطت من م . ( 3 ) س : وهو الذي . ( 4 ) م : المرادات . ( 5 ) س : وبيان . ( 6 ) س : بحدودها . ( 7 ) م : فقيل .